الجصاص
153
أحكام القرآن
وهذه الآية أيضا تدل على وجوب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعا ، لأنه قال تعالى : ( أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) ، فذمهم على الاستئذان في ترك الجهاد بهما . مطلب : في الجهاد بالمال والجهاد بالمال يكون على وجهين ، أحدهما : إنفاق المال في إعداد الكراع والسلاح والآلة والراحلة والزاد وما جرى مجراه مما يحتاج إليه لنفسه . والثاني : إنفاق المال على غيره مما يجاهد ومعونته بالزاد والعدة ونحوها . مطلب : في الجهاد بالنفس والجهاد بالنفس على ضروب : منها الخروج بنفسه ومباشرة القتال ، ومنها بيان ما افترض الله من الجهاد وذكر الثواب الجزيل لمن قام به والعقاب لمن قعد عنه ، ومنها التحريض والأمر ، ومنها الإخبار بعورات العدو وما يعلمه من مكايد الحرب وسداد الرأي وإرشاد المسلمين إلى الأولى والأصلح في أمر الحروب ، كما قال الخباب بن المنذر حين نزل النبي صلى الله عليه وسلم ببدر فقال : يا رسول الله أهذا رأي رأيته أم وحي ؟ فقال : " بل رأي رأيته " قال : فإني أرى أن تنزل على الماء وتجعله خلف ظهرك وتعور الآبار التي في ناحية العدو ، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ونحو ذلك من كل قول يقوي أمر المسلمين ويوهن أمر العدو . مطلب : في جهاد العلم فإن قيل : فأي الجهادين أفضل أجهاد النفس والمال أم جهاد العلم ؟ قيل له : الجهاد بالسيف مبني على جهاد العلم وفرع عليه ، لأنه غير جائز أن يعدوا في جهاد السيف ما يوجبه العلم فجهاد العلم أصل وجهاد النفس فرع ، والأصل أولى بالتفضيل من الفرع . مطلب في أن تعلم العلم أفضل أم الجهاد فإن قيل : تعلم العلم أفضل أم جهاد المشركين ؟ قيل له : إذا خيف معرة العدو وإقدامهم على المسلمين ولم يكن بإزائه من يدفعه فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد ، الاشتغال في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم العلم ، لأن ضرر العدو إذا وقع بالمسلمين لم يمكن تلافيه وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال ، ولأن تعلم العلم فرض على الكفاية لا على كل أحد في خاصة نفسه ، ومتى لم يكن بإزاء العدو من يدفعه عن المسلمين فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد ، وما كان فرضا معينا على الانسان غير